
لِمَاذَا أَخْرَجَ مَعْهُ النسَاءَ وَالأَطْفَال
لولا تلك الإتهامات الباطلة التي وجّهها الحاقدون إلى الثورة الكربلائية المجيدة وصاحبها العظيم لكنّا بالغنى عن طرح مثل هذه التساؤلات وعقد الكثير المتعلقة بالشأن الكربلائي، ولكن بما أن الواقع فرض علينا ذلك وجب علينا القيام بتلك المهمة بجدارة عالية لأننا أعرف من غيرنا بكيفية بيان الحقائق وأدق من غيرنا في عملية الدفاع عنها.
لقد كان السبب في طرح هذا السؤال اثنين:
السبب الأول: طبيعةٌ تفرض نفسها على الواقع.
السبب الثاني: خلفية سيئة كالعادة.
أما بالنسبة للسببين معاً فإن طبيعة المرء تفرض عليه الإستفسار عن بعض القضايا، وتتأكد هذه الطبيعة في الأمور الكبرى أمثال قضية ثورة الإمام الحسين(ع) وما يتعلق بها.
فلقد كان من الطبيعي أن يسأل الناس عن سبب إخراج النساء والأطفال في تلك الرحلة القاسية، وهو مخالف للعادات التي كانت سائدة في تلك المرحلة.
ولقد استعمل أصحاب النوايا السيئة هذا السلوك لأهداف سيئة ونوايا حاقدة تهدف إلى المس بشأن الإمام(ع) ولكن ما كان عند الحسين لم يكن عندهم.
لقد راحوا يتهمون الإمام بأنه أخرجهم معه ليحتمي بهم، نحن نقول إن هذا الكلام لا يصح في إنسان خرج من أجل الجهاد أو قل من أجل الموت، فلا بد أن يكون هناك تفسير آخر لهذا السلوك، فلا مجال هنا للإتهامات الباطلة لأن الجميع يعرفون الحسين المقدام الذي لا يهاب الموت مهما كانت الوسيلة شديدة وموجعة.
كيف يخرجهم ليحتمي بهم وهو الذي كان الحامي لهم طوال تلك الرحلة حتى في أحلك الظروف التي واجهته كان همه الأكبر المحافظة عليهم، وقد طلب من كل من لقيه على أرض المعركة أن يدافع عن بنات رسول الله، ومن هنا تنتفي مقولة أنه أخرجهم معه ليحتمي بهم وتفرض المقولة الثانية نفسها وهي أنه أخرجهم معه ليحميهم لأنه كان يعلم ما لا يعلم غيره حول شأن النساء والأطفال.
وكعادتي في بيان الأمور فإنني أريد هنا التركيز على المسألة لتتضح جميع تفاصلها، وذلك عبر أمور أذكرها تباعاً:
الأمر الأول: وهو الإذعان بعدم وجود خلفية سيئة من إخراجهن معه مهما كانت الدعايات الكاذبة قوية ومؤثرة فإن الإذعان بهذا الأمر يسهّل علينا الوصول إلى الحقيقة.
الأمر الثاني: وهو أن الإمام(ع) أخرج معه الأطفال والنساء حفاظاً عليهم من الهلاك لأنه لو تركهم في المدينة لحلّ بهم ظلم أكبر من الذي حلّ بهم في كربلاء، وفي نفس الوقت كان يزيد سوف يسجنهم ويقتل بعضهم ويمارس جميع أنواع الضغوطات النفسية على الإمام(ع) حتى يسلّم نفسه للموت الرخيص، وكان(ع) أعرف الناس بما سوف يجري عليهن، ولذا فإنه أخرجهن معه ليحميهن مما كان يراه بعين بصيرته.
الأمر الثالث: وهو أهم ما يمكن أن يُذكَر هنا، وهو أن الإمام الحسين(ع) كان يدرك حقيقة المؤامرة ويعرف كيف أن الإعلام اليزيدي يفرض التعتيم الإعلامي على تلك الجريمة التي يريد ارتكابها في حق الحسين والدين، ولقد كانت حكمة الإمام(ع) أعظم وإدراكه للأمر أوسع فسبق يزيد في عملية إخراج النساء معه حيث كان يعرف بأن المرأة لا تُقتل في ساحة المعركة حيث كان المجتمع العربي يرفض هذا السلوك بشدة، وإن يزيداً وإن كان لا يخشى الله في عباده إلا أنه لا بد أن يخضع لتلك العادات كيلا يثير الرأي العام ضده.
لقد كان الإمام(ع) بأمس الحاجة في كربلاء إلى جهاز إعلامي ينقل الصورة إلى خارج كربلاء، ولم يكن بالإمكان أن يتألف جهازه الإعلامي من عنصر الرجل حيث كان القرار اليزيدي قاضياً بقتل جميع الرجال المؤيدين للحسين وبالخصوص من كان منهم معه في كربلاء، فكانت الوسيلة الأفضل للقيام بتلك المهمة هي النسوة والأطفال، وهذا ما كان بالفعل حيث انحصرت معرفة الحقيقة بهن وبالإمام زين العابدين(ع) الذي شاءت قدرة الله تعالى أن يبقى على قيد الحياة بسبب المرض الذي منعه من الحركة.
وقد بدأ هذا الجهاز الإعلامي بوظيفته منذ أن تركوا أرض كربلاء، فكانوا كلما مروا بقرية أو مدينة أخبروا أهلها بما جرى في كربلاء، وبذلك نجحت خطة الإمام وفشلت خطة يزيد رغم كونه كان العنصر الأقوى في تلك المعادلة حسب الظاهر.
الشيخ علي فقيه



